فخر الدين الرازي
304
القضاء والقدر
أهل الحجاز ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام ، أكان بقضاء اللّه وقدره ؟ فقال : « والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ، ما هبطنا واديا ، وما علونا تلعة إلا بقضاء اللّه وقدره » فقال الشيخ . عند اللّه احتسب عنائي ومسيري ، واللّه ما احتسب لي من الأجر شيئا . فقال أمير المؤمنين : لعلك تظن قضاء لازما ، وقدرا حتما . لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، وما كان يأتي من اللّه لائحة لمذنب ، ولا محمدة لمحسن . ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب ، وعبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وشهود الزور ، وأهل العمى والفجور . تلك قدرية هذه الأمة ومجوسها . إن اللّه أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا وكلف تيسيرا ، ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكروها ، ولا بعث الأنبياء عبثا ، ولا أرى عجائب الآيات باطلا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ « 1 » فقال الشيخ : وما ذلك القضاء الذي ساقنا ؟ فقال أمير المؤمنين : أمر اللّه بذلك وإرادته . ثم تلا عليهم : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 2 » قال : فنهض الشيخ مسرورا ، وهو يقول : أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النشور من الرحمن غفرانا أوضحت من ديننا ما كان مشتبها * جزاك ربك عنا فيه إحسانا و - روى مجاهد أن ابن عباس كتب إلى قرى أهل الشام : رسالة طويلة ذكر فيها أنه قال : « هل منكم إلا مفتري على اللّه ، يحل ما حرمه عليه ، وينسبها علانية إليه » « 3 » . ز - وعن عكرمة عن ابن عباس أنه قال : القدر بحر عميق ، فقفوا عند أدناه . ولا تقولوا : إنه جبر العباد على المعاصي فتظلموه ، ولا تقولوا : إن اللّه لم يعلم ما العباد عاملون فتجهلوه ؟ ولكن رجل امتحن اللّه قلبه للتقوى قال : إن عذب فبذنب ، وإن عفى فبفضل . ح - وعن علي بن عبد اللّه بن عباس قال : كنت جالسا عند أبي . فقال له رجل : يا أبا العباس إن هاهنا قوما يزعمون أنهم أتوا من قبل اللّه ، وأن اللّه أجبرهم على المعاصي . فقال : لو أعلم أن هاهنا ، أحدا منهم لقبضت على حلقه ، فصرعته حتى تزهق نفسه « 4 » . ط - ونقل أن زين العابدين سئل عن أفعال العباد . فقال : إنها لا تخلو إما أن تكون فعلا للّه تعالى ولا صنع للعبد فيه ، أو تكون فعلا للعبد ولا صنع للّه فيه ، أو تكون بينهما . فإن كانت فعلا للّه لزم سقوط الذم والعقاب من العبد ، وإن كانت من العبد فهو الذي نقوله . وهو المجرم المذنب . ثم إن أبا العباس الناشئ « 5 » - من المعتزلة - نظم هذا المعنى . فقال :
--> ( 1 ) سورة ص الآية 27 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 23 . ( 3 ) راجع المنية والأمل ص 129 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 130 . ( 5 ) هو أبو العباس عبد اللّه بن محمد . من المعتزلة ، الطبقة الثامنة عند ابن المرتضى « من أهل الأنبار نزل بغداد وله كتب